عفيف الدين التلمساني

55

شرح مواقف النفري

صرح بهذا المعنى ، ولم يجعل الحديث فيه بالإشارة أنكره علماء الرسوم دفعة واحدة قبل الوصول إلى فهم معناه لما يتبادر إلى أفهامهم من أن فيه منابذة للسنة والشرع ، وليس كذلك بل المراد أن يكون مع القيام بالعبادات المشروعة خاليا من الاعتداد بها عند اللّه تعالى حتى يتخلص طلبه له من الحظوظ الدنيوية والأخروية لصلف المطلوب عن أن يشرك معه حظ غيره ، وعبادة العلم تدعو إلى اعتبار حظوظ هي حصول نعيم الجنات والخلاص من النيران . قوله : ( وقال لي : في المخاطرة جزء من النجاة ) . قلت : النجاة فيها كما قلنا لقربها من الاعتماد على اللّه تعالى والرضى بما يبدي ، والاختيار كما يختار ، وهو حال المحبين ، والمحبة أشرف مراتب العوام ، وإنما كان فيها جزء من النجاة ولم تكن فيها النجاة كلها لأنه بنفسه ألقى نفسه لا بربه وهو إنما يلقي نفسه بربه بعد التجلي ، وذلك سلوك العارفين ، وهذا إلى الآن في الحجاب فمتى ألقى نفسه فإنما ألقاها بنفسه وكل ما من النفس فمذموم إذ هي إنما تحصل الخير بفنائها ولولا أن النفس ورسمها باق لما قيل فيه إنه خاطر لأن المخاطرة إنما تكون لصاحب بضاعة ، ومن ليس له شيء فما خاطر بشيء ، فلا يقال له مخاطرة ، فلذلك لم يكن للمخاطر النجاة تماما ، بل جزء منها . قوله : ( وجاء الموج فرفع ما تحته وساح على الساحل ) . قلت : عناه انكشف لي في ذلك الموقف حال الهالكين في ذلك البحر ممن ركب ، وهم الذين كانوا تحت الموج ، والمراد أن الموج هو الأحكام المعطية رمت الهالكين في البحر إلى الساحل ، أي ردتهم إلى عالم الحجاب ، ومحل الاغتراب فكأنه قال الأسباب حجاب . قوله : ( وقال لي : ظاهر البحر ضوء لا يبلغ ، وقعره ظلمة لا تمكن ، وبينهما حيتان لا تستأمن ) . قلت : معناه السلوك على مجرد الظاهر بغير عشق غالب ولا شوق جاذب هو اعتماد على ضوء لا يبلغ لعبد طريقه وانقطاع فريقه ، وعدم النفع برفيقه ، وإن كانت طريقه إلى اللّه تعالى ليس فيها رفيق غيره لأن الميل إلى السوى فيها حرام .